ليس كل من يستوطن الغربَ يرى العالم من خلال عيون تشومسكي، و لكنك عندما تتحاور مع أغلب سكان النصف الغربي من الكرة الأرضية يمكنك أن تصنع مما يراه تشومسكي شعارا أو منطقا و عقيدة دون أن يَمسَّك الأذى.

عام 2005 نشرتْ صحيفة الجارديان خلاصة استبيان حلَّ فيه تشومسكي في المرتبة الأولى كأعظم المفكرين الأحياء. و هو إذا لا يحفل بهذه النتيجة، كما قال، وصف نفسه بأنه “ابن التنوير” و قال عن معتقداته أنها تنبع من التنوير و الليبرالية الكلاسيكية.

قبل نصف قرن كانت قرية القارة تعيش في حال لا تختلف كثيرا عما قبل الحضارة. فالبيوت طينية و سعفُ النخيل قد يلطم وجهَك عندما تفتح باب دارك و القواعد الإجتماعية تسمح بضرب الأطفال بلا حدود. و أنا أريد أن أحصل من ذلك الوصف على تفسير لوقوف كثيرين من أبناء قريتي في صف بشار الأسد حتى عندما ظهر برلمانيون يلقون فيه قصائد المديح، و حتى عندما هرول البرلمانيون كالذباب للتشرف بالسلام عليه بعد انتهائه من إحدى كلماته في قاعة البرلمان. ما يبدو بالنسبة للعرب كعلامة على شعبية، و بالتالي شرعية، الرئيس، لسوف يكون، إن وقع، في الغرب مبررا كافيا لإجبار البرلماني على الإستقالة من البرلمان و دفنه في مزبلة التاريخ، و لسوف يعتذر الرئيس بنفسه عن سلوك البرلماني المشين و غير االحضاري. الإعلام العربي الذي دأب على استغلال كل ما من شأنه إسقاط سمعة بشار الأسد تعامى عن هذه الحادثة لأنه لا يريد أن يوقظ لدى المشاهدين الحس الكوني السليم في أبجديات الممارسة الديمقراطية. و إلا فإن الحقيقة هي أن العالم عرف من قبل طغاة سحقوا عظام الشعوب تفوّق عليهم بشار جميعا عندما مزّق آخر مسافة بين المَلِك و الإله. فحتى صدام حسين و القذافي لم يبلغ أحدهما من السوء أن يوعز إلى الشخصيات السياسية، بما فيهم النساء، أن تهز أردافها في سباق الوصول إلى يده الشريفة. و تتسق هذه الحادثة تماما مع الكثير من اليوتيوبات التي أظهرت جنود بشار ينهالون بالضرب على مواطنين رفضوا أن يتفوهوا بعبارة “ربي بشار”. و باستثناء قصة فرعون القرآنية، التي لا نعلم مدى صحتها، لم يدوّن التاريخ أن حاكما غير بشار الأسد قد تألّه أثناء حياته. نحن هنا نتحدث عن علامات بالغة الوضوح، و رغم ذلك لم تهتز شعبية بشار بين الطائفة الشيعية كثيرا، فما بالك عندما يتعلق الأمر بشواهد يمكن بسهولة أن يطمسها خداعُ الإنسان لنفسه؟

 

لو استعرنا عيون تشومسكي و نظرنا بها إلى العالم لما تكلفنا عناء الجدل في كثير من الأمور. فتشومسكي الذي يشن حملة ضارية على السياسة الخارجية لبلاده لسوف يحتاج إلى أقل من ثانية للشطب على شرعية بشار الأسد. فمالذي يعنيه أن يتسابق البرلمانيون جريا، بما فيهم سيدة سمينة ترتدي كعبا عاليا، على نيل شرف لمس يد الرئيس، إن لم يكن الغياب التام للكرامة و الحرية؟

لقد كنت أظن حتى العام 2003 أن الشيعة، أو على الأقل شيعة قريتي، لولا عقائدهم، هم أقرب المسلمين إلى رؤية العالم بعيون تشومسكي. القرون الطويلة التي رزح خلالها الشيعة تحت الإضطهاد أسبغتْ عليهم ظاهريا سلوكيات منظمة حقوقية تنتقد الظلم أينما وُجد. و لكن ما أن تحوّلتْ موازين القوى إلى صالحهم حتى خرج مارد الشر من قمقمه. و تبدأ الحكاية من المزاعم الباطلة التي استعان بها بوش و بلير لتبرير إسقاط نظام صدام حسين. فنحن نعلم اليوم يقينا أن صدام لم تكن لديه آنذاك أسلحة نووية أو جرثومية أو كيماوية أو صواريخ بعيدة المدى، كما نعلم أنه لم يتعاون مع تنظيم القاعدة مطلقا، و نعلم أنه لم يحاول شراء يورانيوم من النيجر و لم يخفِ برنامجا سريا للأسلحة النووية.

بالنسبة لرجال قريتي يأخذ التفكيرُ المسلكَ العلني التالي: بما أن صدام شخص شرير فإن الغزو الأمريكي للعراق هو أمر مبرر أخلاقيا. و في بواطن عقولهم يختلف المنطق قليلا: بما أن صدام ضدي يجب إسقاطه بأي طريقة كانت.

أما بالنسبة لتشومسكي و عدد كبير من المفكرين و النشطاء العالميين، الذين ربما لا نخطئ لو سمّيناهم “ضمير العالم”، فلا بأس بتوسيع النظرة لتشمل أكثر من شخص واحد. نعم صدام شخص شرير، و لكن هل نصدر أحكامنا بناءا على تقييمنا لشخصه فقط و بغض النظر عن باقي المعطيات؟

لقد شكّ جميع النشطاء و المفكرين الأحرار في دوافع هذه الحرب. و بعد الحرب بأربع سنوات، أي في عام 2007، بات من الصعب إخفاء السبب الحقيقي، حتى أن الرئيس السابق لبنك الإحتياطي الفدرالي الأمريكي، ألان جرينسبان، الذي كان أثناء التحضير لغزو العراق أحد أعمدة السياسة الإقتصادية في أمريكا و العالم، أقرّ بأن الحرب قد شُنّت لأجل النفط، فنقلت فوكس نيوز المعبرة عن صوت اليمين الأمريكي عن جرينسبان قوله أن الدافع الرئيس لحرب العراق هو النفط ( http://www.foxnews.com/story/2007/09/16/greenspan-oil-prime-motive-for-iraq-wa-1907640370.html  ).

في العام 2004 كنت أتحاور مع ثلاثة من الشبان الشيعة. لم تكن فكرة “عيون تشومسكي” بعيدة عني، حيث عبرتُ عن امتعاضي من تنفيذ الحرب بطريقة وحدّت بين الطاغية صدام و مجموعة من المفكرين و النشطاء الذين يمثلون ضمير العالم، في جبهة واحدة. و عندما أشرتُ أثناء ذلك الحوار على سبيل المثال إلى زيارة النائب البريطاني جورج جالاوي، المعروف بدفاعه عن القضية الفلسطينية، لصدام حسين، باعتبارها علامة مؤسفة على تحويل صدام إلى ضحية جديرة بالتعاطف، بفضل السياسة الأمريكية الفاشلة، عندما أشرتُ إلى ذلك هبّ أحد المتحاورين ليزعم بأن جالاوي كان يستلم كوبونات النفط (الرشاوى) العراقية. لكن هذا المتحاور لم يخجل أبدا عندما اعترف بعدها بثوانٍ بأنه على علمٍ بأن الصحيفة التي نشرت مزاعم كوبونات النفط لتلطيخ سمعة جالاوي اعترفت ببطلان تلك المزاعم و قدمت اعتذارا رسميا. لم يجد صاحبي الشيعي غضاضة في ركوب موجة تلطيخ سمعة مناضل حقوقي عالمي زورا و بهتانا عن دراية و قصد، و كل ذلك لأن سمعة جالاوي الحسنة بدت في تلك اللحظة أنها تصب ضد مصلحة الطائفة الشيعية. هكذا يقوم الشيعي، الذي لا يرى العالم بعيون تشومسكي، بسحق أي شيء يهدد ملذاته.

في العام 2005 تحاورت مع و. ع. في حسينية عائلتنا. كان كلامنا علنيا و مسموعا لأي شخص يجلس معنا في غرفة الشاي. جادلتُ أنا بأن محاكمة صدام حسين تفتقر إلى الشرعية لأسباب أولها بطلان مبررات الحرب و ثانيها إجراء المحاكمة قبل تشكيل حكومة ديمقراطية تمثل الشعب العراقي. بالمقابل حاجج و. ع. بأن المحكمة تستمد شرعيتها من كون القضاة عراقيين، و عندما ذكّرتُه بأن الحاكم الأمريكي بول بريمر هو من عيّن هؤلاء القضاة أجاب بأن ذلك لا يؤثر على شرعية المحاكمة! لم أشأْ وقتها أن أُطيل الحوار لأن النظرات من حولي جعلتني للمرة الأولى أفهم معنى الآية القرآنية “ليزلقونك بأبصارهم”. و لك أن تقول عني غبيا، و لكن نعم كنت أظن حتى تلك اللحظة أن الشيعة يمتلكون حسا حقوقيا يفوق النفَسَ الطائفي. و كنت أنظر إلى كل شيء بعيون تشومسكي بينما كانوا هم يفسرون كل شيء من خلال قاعدة “علي مع الحق يدور معه حيثما دار”، حيث “علي” تعني “نحن”.

أيضا في العام 2005 تحاورتُ مع أ. ع. وَ د. ع. . أتذكر أننا كنا في سيارة عند إشارة المرور الوحيدة في قريتنا. وجود أ. ع. معنا جعلني أبتكر اتجاها جديدا أصرف إليه النظر علّني أجد من يشاطرني عيون تشومسكي. قلتُ بأن الحرب على العراق لا تمثل معضلة من حيث المبدأ، غير أن صياغتها قادت إلى مجموعة من النتائج الوخيمة. فصقور السياسة الأمريكية لم يمهدوا للحرب بالحديث عن الديمقراطية أو تطوير النظام التعليمي في العراق، بل شددوا مرارا على “الصدمة و الرعب”، و مصحلة إسرائيل، و التلميحات عن السيطرة على مكامن النفط، و تفكيك الدول العربية لتأليف الشرق الأوسط الجديد، و الحكم العسكري الذي نُفّذ بالفعل لفترة وجيزة بتعيين الجنرال جى جارنر حاكما للعراق. فحتى لو فرضنا، على سبيل حسن الظن أو السذاجة، أن كل ما قالوه كان مجرد كلام، فإن انعكاساته الخطيرة على أرض الواقع كانت قد بدأت فعلا. فقد أصدر المتحف البريطاني تقريرا ذكر فيه أن القوات الأمريكية أنشأت قاعدة عسكرية وسط آثار بابل، مشبها ذلك بأنه كإقامة قاعدة عسكرية عند أهرامات الجيزة. و أضاف التقرير أن القوات الأمريكية استعملت الرمال الغنية بالقطع الأثرية لملئ الأكياس بالرمل و استخدامها في أغراض عسكرية، كما طحنت دباباتهم دون اكتراث أرصفة المدينة التي يعود عمرها إلى 2600 عام ( http://www.theguardian.com/world/2005/jan/15/iraq.arts1 ).  و قد اضطر الجيش الأمريكي فيما بعد إلى تقديم اعتذار  ( http://www.nbcnews.com/id/12316998/ns/world_news-mideast_n_africa/t/us-admits-military-damaged-babylon-ruins/ ).  إن الأشخاص المسئولين مباشرة عن هذا التدمير لواحدة من عجائب الدنيا السبع كانوا يتحركون وفق المزاج الذي فرضته مقدمات الحرب. فقائد الدبابة الذي يُديرُ مِقوَدِها و هو يتذكر أن رئيس دولته شنّ الحرب دون قرار من الأمم المتحدة و دون حشد تأييد عالمي لن يأبه كثيرا لمجموعة من الأحجار التي لا يعلم أحد في الغرب عن وجودها سوى المثقفين أو المهتمين بعلم الآثار. و لكن للأسف فإن حججي، التي تتصدر في الغرب عناوين الصحف، أتت بمفعول معاكس مع أ. ع. وَ د. ع. . فأمام ابتسامة أ. ع. العريضة الإستنكارية و شهيق د. ع. شعرتُ كأنني لستُ على كوكب الأرض. و تعلّقا بآخر أمل وضّحتُ لهم بأن مصدري هو البي بي سي و الجارديان و رويترز و غيرها من المصادر الموثوقة، لكن النتائج العكسية اتسعت حيث بدا لي أنهما يعتقدان بأن منشورات حزب البعث قد غسلت دماغي.

و لم تتوقف النتائج السلبية لغزو العراق عند ذلك الحد. فعندما استقرت الأمور بالتدريج خلال سنوات حكم نوري المالكي الثمانية، وجدتُني بين الشيعة أغرد وحيدا بالتحذير من خطر قادم مصدره تحديدا سياسات المالكي الطائفية و الدكتاتورية. فبعد اكتساح داعش لمدينة الموصل في يونيو 2014 نشر برادلي ماننج (اسمه الحالي: تشيلسي ماننج) السجين بتهمة تسريب وثائق البنتاغون، نشر مقالا فضح فيه تواطؤ الجيش الأمريكي مع المالكي في التلاعب بنتائج الإنتخابات عام 2010 و اضطهاد المعارضين السياسيين. و لو أننا استعرنا عيون تشومسكي للحظة لما احتجنا إلى تسريبات ماننج و لكفانا أن نقارن بين مبيعات النفط العراقية سنويا و عدد الساعات القليلة التي يحصل فيها المواطن العراقي يوميا على الكهرباء لنصل بسرعة إلى نتيجة مفادها أن المفقود من ثروة العراق قد أتخم جيوبا كثيرة بالثروة و قلوبا أكثر بالنقمة التي تضع المنطقة برمتها على شفير الهاوية لأن النقمة هي أفضل حاضنة للتطرف و الإرهاب.

و لسوف تؤدي عيون تشومسكي لنا وظائف أكبر من ذلك بكثير. أنظر مثلا كيف يقرأ المسلمون الأحداث بطريقة فجّة تعيد إنتاج المشاكل. فالسنة يبتهجون حاليا بتدهور الوضع الأمني في العراق و يرفعون مقولة “أيام صدام كانت أفضل”. و بعض الشيعة يودون لو يرفع داعش راياته في كل ساحة دمشقية على أمل أن يبرهنوا للسوريين على أن “أيام بشار كانت أفضل”. و الشيعة الذين طالما نادوا بإقامة الحكم العادل في العراق استساغوا، بعد أن سيطروا على الحكومة العراقية، المقولة التي روّجها حزب البعث بأن العراق لا يمكن أن يقبض على زمامه سوى حاكم دموي. و بعد أن انتقل الربيع العربي إلى سوريا، حليفة الشيعة، انقلب الإعلام الشيعي ضد ربيع ليبيا و تونس و مصر زاعمين أن تلك التحولات الكبرى أفضتْ إما إلى بروز قوى التطرف أو إلى إعادة إنتاج الدكتاتورية. أمام هكذا مقولات يرتعد جسدي و تضخ خلاياي كل هرمونات النفور. في مساء يوم إعدام صدام حسين الذي وافق عيد الأضحى ذهبتُ إلى مقهى (قهوة) مصرية. قابلتُ مصريا أعرفه فقلت له “كل عام و أنت بخير”. تفاجأتُ بأنه  كان كئيبا و بدلا من أن يرد عليّ سألني “ألم تعلم بما حصل؟” و بصدقٍ لم يدرْ في بالي أن شيئا حدث ذلك اليوم يمكن أن يعكر صفو العيد. عندها قال لي أن صدام قد أُعدم بطريقة مهينة. و لأنني كنت أرى الدنيا بعيون تشومسكي بدا لي كلامه بمثابة نكتة. سألته “هل أنت جاد فعلا في حزنك عليه؟ هل سوف يدفع لك ورثته ثمن دموعك؟ أم تظن أن الله سيطبطب على كتفك يوم القيامة و يبارك لك مشاعرك تجاه هذا الطاغية؟” الشيء الذي لم أدركه ساعتها هو استحالة أن يفهم ذلك المصري الذي ينتمي إلى المذهب السني الزاوية التي أنظر من خلالها إلى الأمور. فبالنسبة له أنا شيعي حاقد على السنة و هذا كل ما في الأمر. و قد زرعتْ تلك اللحظة في نفسه كرها شديدا تجاهي. لو أن عيون تشومسكي عبارة عن نظارة مرئية يستطيع هو أن يدرك أنها تغطي عينيّ لما وقع سوء الفهم هذا. و نفس السُنّة الذين ذرفوا عصارة مشاعرهم على صدام تلقوا يوتيوب مقتل القذافي بكثير من الحبور لأن الثوار كانوا سُنّة مثلهم، رغم أن القذافي قد قُتل بطريقة أكثر بشاعة. و كثير من السُنّة يروّج بابتهاج المزاعم الباطلة عن تلقي السيستاني 200 مليون دولار لإصدار فتوى تحرم القتال ضد القوات الأمريكية دون أن يكلف نفسه عناء التأكد من صحة الخبر، و لو فعل لاكتشف أن السيستاني حرّم بطريقة غير مباشرة المشاركة العسكرية في حرب الفلوجة الأولى حيث أكد في فتواه أن الحل يجب أن يكون سلميا.

 

في أغلب الأحوال يبحث العربي عن حجة تصاغ في كلمة واحدة. فصديقي و. ع. برهن على شرعية محاكمة صدام بقوله “إن القضاة عراقيين و هذا يكفي.” و صديقي د. ع. شطب بالكامل على موضوع تدمير الجيش الأمريكي لآثار بابل بقوله مع الشهيق “لااااااا شتقول انت!”  بل إن العربي لا يهتم بالمنطق الكامن خلف الحجة بل فقط بآليات فرضها، فمثلا سمعتُ الدكتور إ. ل. يشتكي ذات مرة من أنه عندما يذهب إلى الحج يواجه منافسة في النفوذ من قبل المتطوعين الذين يقومون بأعمال جسدية كحمل الصناديق، فهم يفرضون آراءهم عليه من خلال حاجته و حاجة الحملة إليهم. العربي ينظر إلى اللحظة الراهنة و لا يفكر كثيرا في سعادة الأجيال القادمة، أو أنه يفكر فيهم فعلا لكنه لا يملك العيون التي تخبره أين تكمن مصلحتهم. أيضا يخلط العربي كثيرا بين الموضوعية و النزوة. فكل الأدلة الموضوعية، التي يبلغ عددها الآلاف، لا تقرّب العقل العربي من الإيمان بنظرية التطور قيد أنملة لأنه يظن أن فيها قدحا لكرامته.

نستطيع أن نتجاوز الكثير من الحوارات غير الضرورية لو استعرنا عيون تشومسكي و نظرنا بها إلى الدنيا. و ليس في الأمر أي نوع من أنواع التقديس، فكل الحكاية هو أن تشومسكي يرمز إلى طريقة معينة في التفكير. و النتائج التي نتوصل إليها عندما نرتدي ذهنه ليست نتائج ملزمة، لكنها تصلح كمحطة انطلاق لتيار ثالث لا ينتمي إلى مؤيدي صدام و لا مؤيدي بشار.

 

بعد إعدام صدام حسين بفترة تفرجتُ على ما كُتب عنه على ويكيبيديا. كان الأمر بالنسبة لي مثل مشاهدة فيلم ينتهي بانتصار الأشرار. فبدلا من التنويه إلى جرائمه كدكتاتور نمطي ألقى المحرر، بصيغ ركيكة، التهمة على الشيعة و مجّد “تصدي” صدام لهم. في تلك الأيام كان بإمكانك أن تعدل على مقالات ويكيبيديا بنقرة زر، فما كان مني إلا أن أبدلتُ تلك العبارة بوصف مقتضب للإضطهاد الذي عانت منه جميع الأقليات من شيعة و أكراد في عهد صدام. و سريعا بعدها قام أحدهم بشطب ما كتبتُه و أعاد تمجيد الدكتاتور و لم يكتفِ بذلك بل أقفل الموضوع، باتفاق مع إدارة الموقع، أمام أي تعديل مستقبلي. و بالطبع فإنني لم أنتحب أو حتى ألعن أحدا، ذلك أن شعوري تجاه الموقف تطابق مع وصف وزير العدل الأمريكي الأسبق رامزي كلارك لمحاكمة صدام حسين في مذكرة أرسلها إلى القاضي بأنها “مهزلة”. و رغم أن مقال ويكيبديا الحالي قد تطور كثيرا عما كان عليه آنذاك، إلا أنه يلمّح إلى مسئولية الشيعة عن المواجهة مع صدام، كما يغفل تماما عن تسجيل المذابح التي تعرض لها الأكراد في عهد نظامه البائد.

عندما يستعمل العربي عيون تشومسكي للنظر إلى العالم يفقد أصدقاءه. فانتقاد دكتاتورية صدام حسين يُفقدك أصدقاءك السنة، و انتقاد محاكمة صدام حسين يُفقدك أصدقاءك الشيعة. تشترك الطوائف الإسلامية في نفس المبادئ و تفترق على الأشخاص. الشيعة الذين يشتمون داعش يتناسون عمدا أن الزينبيات كنّ بعد الثورة الإسلامية في إيران يرتكبن فظاعات رهيبة أثناء جولات الأمر بالمعروف. و يتناسى الشيعة عمدا أن عقيدة داعش تتطابق مع عقيدة ملالي الشيعة في عقوبة المرتد و الزاني و المثلي جنسيا و في إباحة السبي و انتهاك الحقوق الإنسانية للكفار غير المعاهدين. إنهم يختلفون فقط في تحديد العدو الذي تُوجّه ضده وسائل الإرهاب من تفجير و خطف. لا يجد السني حرجا في تمجيد دكتاتور اضطهد الشيعة، و لا يجد الشيعي حرجا في تأييد محاكمة، افتقدت بإجماع شرفاء العالم، إلى معايير العدالة و الجدية، لمجرد أن المتهم سني.

و أنا بعد صمت استمر سنينا طوال أريد اقتناص هذه الفرصة حيث أصبح الشيعي أخيرا لا يشعر بالرغبة في إفنائك عندما تنتقد الغزو الأمريكي للعراق. فبمجرد أن عصفت الأحداث بسوريا و التحقت أمريكا، بغض النظر عن الدوافع و النوايا، بالمعسكر المؤيد للديمقراطية نهضتْ مشاعر كراهية الشيعة لأمريكا من رقادها. فبعد أن أصبح الشيعي بين عامي 2003 و 2011 لا يجد غضاضة في سماع عبارة “أمريكا عمتنا” عاد لينقلب عليها لدرجة أنه صار يعتبر الإحتضان الغربي للمعارضة السورية برهانا ليس على عمالة رموز المعارضة فحسب بل و على دعشنتهم أيضا! و حتى اللحظة لم يجبني م. ع. على سؤالي “من الأقرب لداعش، سهير الأتاسي عضو الإئتلاف السوري المعارض، أم مرضية أفخم الناطقة باسم وزارة الخارجية الإيرانية؟” و طبعا هو لن يجيب، بل لن يفكر في السؤال لأن مجرد التأمل فيه يجعل الشيعي يريد أن يجد على عجل، بينما قلبه يخفق، فرقا بين داعش و إيران.

المشكلة تبدو أعمق لدى من يعتبرون أنفسهم معتدلين فهم لا يخبروني ما هو الفرق بين مصيري لو وقعت في يد داعش أو في يد إيران و أعلنتُ أنني تركت عقائدهم المهترئة. في الحقيقة فإن داعش التي تتبع المذهب السني سوف تعطيني فرصة ثلاثة أيام للتراجع و إلا ذبحوني بالسكين. أما في إيران فإن مصيري، حسب أحاديث أهل البيت و فتوى السيستاني، هو الإعدام لا محالة حتى لو تراجعت. حينها ربما يريدني “المعتدلون” أن أكتب قصيدة تمدح “الإنفتاح الإيراني” لأن المشرّع الشيعي رضي أن تُستبدل السكينُ بالمشنقة.

ذهبتُ ذات يوم إلى مطعم يملكه شاب عراقي سني. لم يكن دفاعه عن عدي صدام حسين مفاجئا، لكنني دُهشتُ كثيرا عندما استبسل في الدفاع عن بشار الأسد. و قد تفكك اللغز في الأيام التالية عندما فهمتُ أن أسرته ما زالت تقيم في دمشق و أن الثورة السورية تهدد بحبوحة عيشهم. الطريف أنه في اليوم الذي غادرت أسرة هذا الشاب سوريا وجدته قد تحوّل إلى الجبهة السنية و انقلب ضد بشار ليصفه بأقذع الألفاظ. لم يكن انعكاسه اللحظي، على موجة المصالح، شاذا على العالم لعربي، فالشيعة فعلوا نفس الشيء مع أمريكا و الإخوان المسلمين و أخيرا و ليس آخرا مع الحكومة الكويتية. بسبب طبيعة عملي في الطب النفسي أتخيل مواقف العرب السياسية مثل مشاعر رجل يُقلّب مجلة جنسية أثناء الإستمناء، ذلك أن أي صورة لا تنسجم مع اللحظة تكون مبعثا على التوتر و ينبغي قلبها و البحث عن صفحة غيرها. عندما بدا أن الإخوان المسلمون اقتربوا من كرسي الحكم وضع حسن نصر الله “مقدرات الحزب تحت تصرفهم” لكن نار الكراهية شبّت بين الطرفين بعد فوزهم الديمقراطي بأسابيع لمجرد أن الإخوان المسلمون أيّدوا حق الشعب السوري في نيل الديمقراطية. لا يفكر، و لا يجب أن يفكر، من يمارس الإستمناء في الأجيال القادمة أثناء اختياره للصورة التي تستثير حواسّه و تُبهج خاطره. و أنا إذ شرحتُ بأن “الإستمناء” مجرد تعبير مجازي أود أن أضيف بأن أعظم استمناءات حسن نصر الله تحدث عندما يضع رأسه على المخدة و يحلم بزيادة عدد الشيعة في الأرض.

لقد سمعتُ كثيرا عن مشروع نشر التشيع في سوريا، و وجدتُ بالفعل أن دراسة للإتحاد الأوربي تنبأت بتحول جميع علويي سوريا إلى المذهب الشيعي بحلول عام 2030 ( http://alasr.me/articles/view/14417 ). في نفس السنة التي أُجريتْ فيها هذه الدراسة، أي في عام 2006، لمّح حسن نصر الله إلى الفرق بين قدرات تنظيم القاعدة و كفاءة جنود حزب الله في الحرب ضد إسرائيل قائلا “نحن أبناء محمد و علي”. لم يكن مأخذي الأكبر عليه هو استفزاز السنة، حيث رد الظواهري بالقول “نحن أبناء محمد و أبي بكر و عمر و عثمان و علي و معاوية و خالد.. الخ” بل على العقيدة الخبيئة بين السطور (أو بين الحروف). عندما يأتي
الكلام من رجل في موقع حسن نصر الله يجب ألا نتغاضى عن المعاني الضمنية. إن تصريحاته تؤثر على حياتنا و مستقبلنا و هو ليس مفكرا كي نعتذر له بحرية التعبير بل سياسي يحتل كرسيَّه بإرادة الجماهير التي يمثلها. فعبارته لم تحمل شحنة طائفية فحسب، بل بدا و كأنها ترسخ الإعتقاد بأن دماء علي بن أبي طالب فيها عنصر سحري يجلب النصر، كيف لا و علي “قد خُلق قبل خلق الكون” حسب المعتقد الشعبي عند الشيعة؟ بوجود معتقد كهذا يَبطل العجب من فقدان المواهب و الإبداعات في فريق حزب الله. فانحدارهم طال حتى تخطيطهم للعمليات الإرهابية حيث ترك منفذو تفجير الحريري أدلة جمّة تدينهم منها اتصالاتهم بمستشفى الرسول الأعظم في الضاحية الجنوبية لبيروت. و ربما كان بعضهم يظن أن “دماء علي بن أبي طالب” كفيلة بضمان نجاح العملية و إعماء عيون المخابرات عنهم، حتى أن أحد أعضاء حزب الله استعمل إحدى شرائح الهاتف المخصصة لتنفيذ العملية، استعملها في الإتصال بخطيبته. و يوجد على يوتيوب مقطع لحسن نصر الله يظهر فيه بأريحية و صراحة أكبر و هو يدعو الشباب إلى ترديد بيت الشعر الذي يقول “لا عذب الله أمي أنها شربت، حب الوصي و غذتنيه في اللبن” دون أن يستحي مما ينطوي عليه هذا البيت من اعتراف بأن الولاء لعلي بن أبي طالب هو مسألة وراثية بحتة. إن عقلي يستطيع أن يتخيل انحطاط الشخصيات السياسية بين متاهات مصالحها، لكني أعيش حالة من عدم التصديق عندما أشرح هذه الأفكار لأحد معارفي فأجده لا يتجاوب إلا بقدر ما يتجاوب مع تحليل مباراة أحد طرفيها برشلونة و الطرف الآخر نادٍ مغمور.

وقوف حسن نصر الله مع بشار، و ترحّمه على “الرفيق” آصف شوكت، هو بسبب استبدال عيون تشومسكي بعيون رعاة الإبل الذين قفزت ثرواتهم قفزة هائلة دونما زيادة في الإنتاج بل عن طريق السطو و النهب و السلب. و قد حل النفط بشكل مؤقت محل غنائم الحرب، حيث يشكل في لحظة كتابة هذه السطور 93% من صادرات السعودية. و بالطبع لا يساورني قلق كبير من عودة العرب إلى عصر الجهاد بعد نفاد النفط فالمعادلة قد تغيرت بلا رجعة. فبعد أن اخترع الإنسان الرمح و السهم و السيف ظل العلم لفترة طويلة لا يضيف الكثير إلى القوة العسكرية، مما مكن العرب من اكتساح حضارات عريقة في الشرق و الغرب. فالجندي الروماني الذي كان يحمي الأكاديمية العظيمة في الإسكندرية في القرن السابع الميلادي كان بكل تأكيد يأسف لأن خزانة علومه لا تضع في يده سلاحا أفضل من السلاح الذي يخترق صدرَه تحت صرخة “الله أكبر” يطلقها بدوي سينصب بعد قليل خيمته في ساحة مجاورة. فلا نظرية أرسطو التي تفسر الحركة الموجية للصوت تفسيرا صحيحا و لا النموذج الفلكي لبطليموس الذي يتنبأ بالخسوف و الكسوف قادران على رفع القوة العسكرية بمقدارٍ يحدث فرقا مهما. و لكن كل ذلك قد تغير في عصر الطائرات المسيّرة و قريبا الدبابات بدون قائد و الروبوتات العسكرية الذكية. ففي حين نعجز عن صنع أتفه راديو تلتقط مركبةٌ أرسلتها الناسا صورا لكوكب بلوتو و يتفوق هاتف يُحمل باليد ملايين المرات على أعتى كمبيوتر نحلم أن نقوم بتصنيعه دون الإستعانة بخبرات أجنبية. لقد نهض من جديد الترابطُ بين العلم و القوة العسكرية و هذا يعني، ضمن أشياء أخرى، أن أيام الغزو العربي للأمم المجاورة قد ولّت إلى غير رجعة. وحده النفط يستر، كورقة توت، عورات العرب الإقتصادية. و لولاه لكان لكلامي وقعٌ أشد في نفوس القراء الذين يبحثون عن حل للمعضلات الراهنة. فلا لوم الآن على قارئ يظنني أبالغ عندما أقول أن حسن نصر الله بترويجه لنظرية الدم السحري يحفر قبرا لا للشيعة فحسب بل للعالم العربي أجمع. و ليت حسن نصر الله إذ يأكل أفضل الأطعمة مذاقا يتتبع مصدرها الذي تؤدي كل طرقه إلى النفط الإيراني. و طالما هو لا يأخذ بنصيحتي فإنه لن يدرك أن دعايته تمثل بالنسبة للإبداع و الإقتصاد ما تمثله طائرات تنظيم القاعدة بالنسبة لبرجي التجارة العالمية في نيويورك.

 

حضرتُ ذات ليلة محاضرة للمفكر محمد الحرز في إحدى مزارع الأحساء، قارب فيها موضوعي الفضاء المغلق (المسجد) و الفضاء المفتوح (السوق). بعد المحاضرة طرح رجل أحسائي يرتدي غترة بيضاء في الخمسينات من عمره، بصوت يعبر عن شعوره بالإستفزاز، السؤالَ التالي “لماذا لا تخبرنا بكلمة واحدة هل المسجد في نظرك شيء جيّد أم شيء سيّء؟” ليس بدعة أن يهتز مركبُ العربي أمام الصور الفكرية الغنية. و لمثل هؤلاء أسرد قصةً تجسد عيون تشومسكي في أبسط تراكيبها كي أوفّر على أدمغتهم استهلاك السعرات الحرارية التي سيخزنونها في شحوم بطونهم. بعد أشهر قليلة من انتفاضة السوريين سلميا ضد الحكم الدكتاتوري تحاورتُ على طاولة أحد المطاعم اللبنانية في ألمانيا مع زميل شيعي بدا متفاجئا من مساندتي لحقوق الشعب السوري، فهدر من فمه السؤالُ التالي “و هل الديمقراطية حلال على الشعب السوري و حرام على الشعب البحريني؟” عندها اضطررت إلى أن أذكّره بأن سؤاله يصلح لإفحام السُنّة الذين يصطفون مع الديمقراطية في سوريا و ضدها في البحرين، لكنني شيعي مثله سوى أنني مع الديمقراطية في كل أرض. أتذكر جيدا نظراته المشوبة بالريبة و التي دفعتني بسرعة لأشرح له الوضع كما يلي: “الشيعة يصطفون مع الديمقراطية في البلاد ذات الأغلبية الشيعية فقط، و السُنّة يصطفون مع الديمقراطية في البلاد ذات الأغلبية السنية فقط، و أنا أصطف مع الديمقراطية بغض النظر عن مذهب الشعب أو الحكومة”. لم أقل له أنني أستعمل عيون تشومسكي، لكن الفكرة كانت بسيطة، حتى أنه لو كان ذلك الرجل الأحسائي ذو الغترة البيضاء معنا لما طلب مني مزيدا من الإيضاح.

 

و الآن سأحاول أن أشرح فكرة أكثر تعقيدا متمنيا لنفسي إتمام مهمتي قبل أن تبلل دموعي لوحةَ المفاتيح. في نفس تلك الفترة من الإنتفاضة السورية كان حزب الله اللبناني ما يزال ينتهج البلطجة السياسية لتخويف خصومه، فشرع يكيل الإتهامات لهم بمساندة الإنتفاضة ضد بشار الأسد. حينها لم تكن قد مرت سوى أربع سنوات على أحداث 7 أيار التي سيطر فيها حزب الله عسكريا على بيروت، لذا كان من الطبيعي أن يتبرأ الجميع آنذاك من “تهمة” دعم الإنتفاضة السورية. تحاورتُ هاتفيا مع زميل تمتد علاقتي معه لأكثر من خمسة عشر عاما و شكوت له بأسى و حرقة بأن حزب الله قد وظف جبروته في سبيل تجريم كل من يدعم المشروع الديمقراطي في سوريا دون تفريق بين الشرفاء و الإنتهازيين فتحولتْ مساندةُ الشعب السوري في محنته من وسام يُعلّق على الصدور إلى تهمة ينفيها الجميع. فاجأني رد زميلي – الشيعي – بصوت مشبّع بنشوة الغطرسة “ماحد يفتح فمه بكلمة!” قبلها بسنتين كان قد قال لي أيضا، في معرض تبريره لنظرية الدم السحري التي روّجها حسن نصر الله ضمنيا، أن الوقت قد حان “لنا نحن الشيعة” لكي نصعد على سلّم النفوذ! البشر يلجؤون إلى التصنيف لكي تنسجم مشاعرهم مع تشخيصاتهم، و لكن كيف أستطيع أن أقول عن زميلي هذا أنه “شرير” و أنا شاهدته بنفسي و تحديدا في منزلي يتبرع في أبريل 1996 بنصف راتب ذلك الشهر من الجامعة (المكافأة) لإغاثة ضحايا مجزرة قانا التي ارتكبها الإسرائيليون؟ ربما لا ينقصه الإيثار بل عيون تشومسكي. ربما هو يريد أن يجود لكنه لا يرى الإتجاه الصحيح. عندما تخبر الناس أن علي بن أبي طالب قد خُلق قبل خلق الكون و أن دمه يتمتع بخصائص سحرية تجلب البركة لمن يرثها أو يدور في فلك من يرثها فإن أول شيء تضيفه هو شيطنة المذاهب الأخرى التي ترفض – أو حتى تتهكم على – مزاعمك التي لا تنهض على دليل. حسب الوصفة الشيعية فإنك لا تكون إنسانا خيّرا ما لم تغلي الكراهيةُ في قلبك. لم يكن زميلي متناقضا مع نفسه، فهو تبرع بخمسة أضعاف تبرعي لضحايا قانا و ظل لثلاث عشرة سنة بعدها، على الأقل، و ربما حتى هذه اللحظة، يحلم باعتلاء الشيعة عرش قيادة العالم، لأنه في كلا الحالتين، حسب المعتقد الشيعي، سوف يزيح عليُّ بن أبي طالب، و هو مسترخٍ على مقعده السماوي، غيمةً بيده و يطلُّ على كوكب الأرض مبتهجا و هو يقول “طوبى لشيعتي خلّدوا إسمي”. بدلا من عيون تشومسكي يحبذ الشيعة عيونا تظهرهم في صور الملائكة حتى لو قتلوا زهرة كاظمي في العقد السادس من عمرها بعد اغتصابها جماعيا كما قال الطبيب الشرعي، الذي فحص جثتها و هو الآن لاجئ سياسي في كندا، و كسْرِ جمجمتها كما أظهر فحصٌ تم إعلان نتائجه من قبل إيران رسميا بفضل تدخل الرئيس خاتمي في القضية، و كانت تلك الأوصاف مطابقة للوصف الخارجي لجثتها الذي أدلتْ به أمُّها لصحيفة تورنتو ستار في مقابلة قرأتُها في يوم نشرها في الدور العلوي الفارغ من الزبائن سواي في مطعم برجر كنج لم تجد دموعي سوى بلاطاته حضنا لها. و كان ذنبها العظيم هو أنها كصحفية التقطت صورا لطلاب يتظاهرون ضد الحكومة، حيث ظنتْ المسكينة أن جنسيتها الكندية سوف تحميها من بطش حكومة بلدٍ وُلدتْ على ترابه. و يحبذ الشيعة عيونا تصنفهم كأعدل حكام الأرض حتى لو كان نوري المالكي قد حوّل في النصف الأول من عام 2014 عبر بنك إيلاف العراقي ثلاثة مليارات دولار إلى حسابات ابنه و صهريه في بنوك لبنانية و أوربية. و يحبذ الشيعة عيونا تسبغ عليهم صفات المثقف المتحضر حتى لو كانوا بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران قد نزعوا 1500 لوحة من متحف طهران للفن المعاصر و ركنوها في السرداب حتى لحظة كتابة هذه السطور، و من بينها لوحة لبيكاسو و لوحة لجاكسون بولوك و لوحة لمونيه و مجموعتين من اللوحات لأندي وارهول و ليختنشتاين و غيرها الكثير من اللوحات التي تقدر قيمتها بملياري و نصف جنيه استرليني. تقول الحكاية الصينية الشهيرة أن الإمبراطور كان يمشي عاريا عندما كان أفراد الشعب يكيلون المديح لثوبه، غير أن طفلا، أريد أن أسميه “تشومسكي”، صرخ بأعلى صوته “الإمبراطور عاري”.

 

بعد خمسة أشهر من بدء الإنتفاضة السورية السلمية التي جابهت الرصاص بصدور عارية أخذت الإحتجاجات طابعا عسكريا. و بعدها بشهر أظهر شريط فيديو عملية إلقاء جثث في نهر، تبادل بشأنه الحكومةُ و المعارضةُ الإتهامات بالمسؤولية. كنت أتحدث هاتفيا مع أحد أقاربي في مواضيع عائلية فبادرني بالقول “هل شاهدتَ شريط إلقاء الجثث في النهر؟ هؤلاء الخونة الذين يسمّون أنفسهم معارضين ليس في قلوبهم ذرة رحمة”. قلت له أنني أتفق معه حول وحشية هذا العمل و لكن علينا ألا نغيّب حقيقة أنه إذا كان الضحايا هم فعلا من أفراد النظام فإنهم لا يقلّون وحشية عن الفاعل. كان قلبي لسوف ينشرح لو أنني تحدثت مع شيعي و سمعته يبادر إلى إدانة الجريمة التي راح ضحيتها أطفال درعا حتى لو أنه أخلى مسؤولية النظام. أود بشغف أن أسمع الشيعي يدين كل جريمة تُرتكب ضد السُنة لأتأكد من إنسانيته، لا أن يوجّه نهر الدموع و ميكروفون النحيب حصرا نحو جثث الشيعة و حلفائهم كما عندما تصدرتْ التعازي في مقتل رجل الدين الشيعي المصري حسن شحاتة صفحات الواتسب رغم أنه قُتل بينما كان يشتم زوجة محمد، مقابل التغييب الشيعي التام لموضوع ذبح مغني الثورة السورية إبراهيم قاشوش و الذي لا بد أن صورته سوف تقفز إلى رؤوس أحفادنا كلما سمعوا كلمة “شهيد الحنجرة”. و سيكون من الصعب خداعهم لأننا لا نستطيع أن نزعم أنه كان بعثيا، و لن ننجح في إقناع أحد بأن حلقه كان فوهة بندقية تطلق الرصاص المعدني. و إذا حالف الحظُّ أحدَ أحفادنا و حاز على عيون تشومسكي فسيوفر على نفسه الوقت إذ بدلا من الضياع في التفاصيل الصغيرة سوف ينظر إلى الصورة الكبرى التي يظهر فيها الدكتاتور مثل تنين ينفخ النار و ينشر الرعب.

 

كان للعلمانيين الكوتيين منتدى على الإنترنت لم أكن لأتجول فيه لولا قيامهم بتجربة طريفة تتعلق من ناحية ما بعملي في الطب النفسي. يقوم أحد أعضاء المنتدى باختلاق قصة ينسبها إلى عالِمٍ مزعوم يعمل في جامعة غربية مرموقة خلصت أبحاثه المزعومة إلى نتائج غير متوقعة تبرهن على صحة الدين الإسلامي، و بعدها يقوم عدد من أعضاء المنتدى بنشر القصة في منتديات إنترنت أخرى كما لو كانت قصة حقيقية، ثم يراقبون، عبر محرك البحث قوقل، سرعة انتشار القصة في صفحات الإنترنت العربية. القصة – المختلقة – التي شدتني تحكي أن عالِما من أصول هندية يعمل في جامعة مرموقة، أظنها كامبرج البريطانية، قرر أن يقيس الكهرباء في جذوع الأشجار باستعمال جهاز تخطيط القلب، فظهرت له على شاشة الجهاز عبارة التوحيد الإسلامية فكانت مصداقا للآية القرآنية التي أخبرتنا أن الأشجار تسبّح لله! و كالنار في الهشيم سرت الحكاية في قرابة عشرين ألف منتدى عربي، و العهدة على قوقل. لا تخبرك عيون تشومسكي عن حقيقة ما تراه فحسب، بل ترشدك أيضا إلى أين تنظر. يبدأ الشعور بالهوية العقائدية عند الإنسان ربما في سن دخول المدرسة، فإذا كان مسلما فإنه يقضي بقية حياته يلهث خلف كل ما من شأنه أن يضع علامة ”  ✓” بجانب مقولات الإسلام. و حتى إذا أحب المسلم أن يَشغِل عقله بالإنتاج العلمي فإنه يعجز عن التفريق بين الهدف و سبيل الوصول إلى الهدف. اشتهرت الطفلة المصرية حنين أحمد بأنها عبقرية عندما حصلت على 154 درجة في اختبارات الذكاء، لكن بدا من المقابلة التلفزيونية أنها تحصد الإعجاب لمجرد أنها تعبر عن طموحها المستقبلي في بناء سيارة طائرة، دون أن تخبرنا كيف أو أين ستصنع أعجوبتها، و دون حتى أن تقدم لنا أي دليل على تفوّق تفكيرها على أقرانها. و في العام 1992 أطلعني رفيق غرفتي في الجامعة على سره الذي يتمثل في عزمه على اختراع جهاز هو عبارة عن خزانة يدخل فيها الإنسان و تنقله إلى أي مكان آخر. في الحقيقة فإن الغرب يسمي هذه الآلة “تيليبورتر” و قد ظهرت لأول مرة في كتب الخيال العلمي في الثلث الأول من القرن العشرين، و غزتْ في عصرنا أفلام الخيال العلمي وصولا إلى أفلام الكارتون. إذن حتى التصور العام عن الوظيفة التي لسوف يقوم بها الجهاز في حال تم إنشاؤه ليست من بنات أفكار رفيقي، فما بالك لو أخبرتك أنه لا يعلم كيف يعمل الترانسستور و لم يركّب دائرة إلكترونية في حياته. و أسرّ لي شخصٌ ثالث، هو بالمناسبة زميل مشترك لي و لرفيق غرفتي، بجديّة عن عزمه على تفنيد نظرية النسبية لآينشتاين، ثم عندما سألته ما الذي يعرف عن نظرية النسبية، طلب مني أن أشرحها له! و إذا كنتَ أيها القارئ لمّاحا و لديكَ الآن مزاج طيّب فإنك تقول في نفسك “يا لهما من سرّين عظيمين!” في هذا السياق فإن كلمة “سر” تعني ثروة معلوماتية، و المأزق الذي أود أن يخرج قومي منه هو إدراك أن الثروة تكمن في الطريقة التي تعمل بها الآلة و ليس في التصور العام عنها. و بصراحة فإن العرب مهووسون بالتصور العام لأنهم تعودوا ألا يروا من الجهاز سوى وظيفته الخارجية. هكذا كان صديقي أ. ج. يحدثني بشغف عام 1996 عن جهاز تشخيص الأمراض البشرية كما ظهر في مسلسل ستار ترِكْ. و الجهاز، حسب وصف أ. ج.، عبارة عن عصا إلكترونية توجهها نحو المريض فيظهر التشخيص مكتوبا على شاشة صغيرة. و لا يمكن أن يبلغ التصور ابتذالا أكثر من هذا. و لكن نعم، يمكن أن يتم توظيف تصورات كهذه في قصص الخيال العلمي، بشرط أن يكون تصورا مبتكرا لا أن يكون مستهلكا شبع تداولا في كتب و أفلام الغرب. هذه الأنماط الخاطئة في التفكير تجرنا إليها العيون التي تبحث أولا، و ربما فقط، عن التصفيق، أما عيون تشومسكي فهي مغرمة بالفعل، و تحديدا الفعل النبيل.

 

و التصفيق لا يناله في مجتمعنا من يقدم أكثر، بل من يحوز على برستيج أفخم. عندما تخرّج إ. م. من الثانوية تمت دعوته و دعوتي و عدد كبير من شباب العائلة إلى اجتماع في الحسينية. دار الإجتماع حول موضوع ضرورة أن يكون خيار الإلتحاق بكلية الطب خيارا وحيدا للمتخرجين ما لم يعجزوا عن الحصول على قبول جامعي. عندما جاء دوري للكلام زوّقتُ بكلمات واقعية و صادقة الخيار المطروح. لكن إ. م. سألني قائلا “أنا أريد أن أدخل تخصصا جامعيا يتيح للطالب أن ينوّع اهتماماته بالقراءة خارج تخصصه، فهل يمكن أن يتحقق ذلك لطالب كلية الطب؟” أجبته بأن طلاب الطب الذين سبقوني لم يبالغوا عندما قالوا لي بأن طالب الطب في أيام كثيرة لا يجد وقتا للإستحمام و عليه أن يهرع في تناول الطعام. عندها بدا أن إ. م. قد صرف النظر عن فكرة الإلتحاق بكلية الطب. بعد الإجتماع تعرضتُ للّوم لأنه، حسب منتقدي، كان يجب عليّ أن أكذب على إ. م. لكي أثبّت في رأسه خيار دراسة الطب. و ليت الأمر توقف عند هذا الحد. حسب قواعد مهرجان التفوق السنوي لعائلتنا كان يفترض أن يحصل إ. م. على 5000 ريال كمكافأة على تحقيقه للمركز الأول. لكن منظمي المهرجان حجبوا عنه المكافأة و ظلوا لمدة عام كامل يساومونه على ترك كلية الهندسة و التحويل إلى كلية الطب إذا شاء الحصول على المبلغ. حكت لي أمي ذات مرة أن امرأة من حمولتنا دخل عليها أبوها شاهرا البندقية في وجهها عندما تناهى إلى مسامعه أنها لا ترغب في الزواج من الرجل الذي خطبها. يجتهد الذكور من حمولتنا في تعطيل المستقبل، فإذا حلّ رغما عنهم وجدتَهم يتباهون بتجاوز الماضي. لقد طوينا صفحة البندقية و فتحنا صحفة الريال، و على كلا الصفحتين لا يتحرج أحد من التلاعب بخيارات النشء وفق إملاءات مصالح الكبار. الرجل الذي هدد ابنته بالبندقية كان يحتاج إلى عين أيّ رجل من الرجال الأحياء حاليا في قرية القارة لكي يرى فداحة جريمته. و الرجل الذي ظل يبتز إ. م. لمدة سنة كاملة بحفنة من النقود يحتاج إلى عيون تشومسكي لكي تنقلب صورته في المرآة من فارس عربي نبيل إلى ذئب شرس.

 

لديّ الكثير لأقوله عن أغنية “لمعلم” لسعد المجرد، و لكني أريد الآن فقط أن أعبر عن رغبتي في الرقص على أنغامها، طبعا ليس لوحدي و لكن مع، أو على الأقل بين، أصدقائي. إذا كانت كلمة “أصدقائي” في هذا السياق تعني “أبناء عمومتي” فعليّ أن أحذّر نفسي، أنا الذي خبَرتُهم جيدا، من إدمانهم على إثارة اللغط. لو رقصتُ بينهم سيدسّ أكثر من واحد منهم يدَه في جيبه و يخرج هاتفَه الجوال ليلتقط لي مقطع فيديو ينشره على عجل عبر الواتسب إلى أكبر عدد من معارفه. لو قرأ رجل غربي كلامي حتى هذا السطر فسيظن أن الناس في مجتمع قرية القارة لسوف يتهافتون على لقطة كهذه باعتبارها حدثا ممتعا. كلا أيها الغربي، إن منظر رجل في الأربعين من عمره يرقص على أنغام موسيقى هو في نظر سكان قريتي أمر مزلزل أكثر من صخب الدي جى، إنه فضيحة تكفي في نظرهم لإسقاطي أخلاقيا عند الكل و وسمي بالجنون عند البعض. في قريتي تهتز سمعتُك إذا اهتز جسدك، أما أن تسرق قطعة أرض من أرملة فقيرة فلا يزيدك إلا شرفا.

 

نظامنا الإجتماعي برمته يتغذى على عدد من التابوهات. إذا نشأتَ في طفولتك منحرفا فقد تجاوزتَ المشكلة الأولى التي هي عبارة عن الحاجز السيكولوجي بينك و بين التابو. أما الذين يتطلعون بجدية إلى تحقيق عالم مثالي يلازمهم في العقود الأولى من حياتهم شعور بالمقت إزاء الأغاني و السجائر و الكحوليات و كل السلوكيات الجنسية خارج إطار الزواج. فإذا نزحتَ يوما ما بفضل إيمانك بمرجعية العقل نحو الفكر العالمي فإن ذلك المقت يظل تركة ثقيلة يُجهدك التخلص منها. فبعد سنة من تجاوزي للعقائد المهترئة سافرتُ إلى بريطانيا مع صديق جداوي وفّر لي إقامة مجانية في شقة تملكها عائلته في عمارة سسكس هايتس في مدينة برايتون الساحلية. و مع صديقه أنتوني اليوناني الأصل ذهبنا إلى نادٍ ليلي حسن السمعة بمقاييسهم. حاولت سورينا، صديقة أنتوني، كبادرة سخاء و ليس بدافع الإعجاب، أن تراقصني لكنني أخبرتها بصراحة أنني عاجز نفسيا عن التفاعل مع لفتتها الكريمة رغم أنني قد وضعتُ عقائدي القديمة خلف ظهري و صرتُ أشاطرها أولوية الحب و السلام. هذا الحاجز النفسي هو ما يفهمه كل من يمتلك عيون تشومسكي، لكن الأمر يتحول إلى لغز عندما ترى شخصا يدمن على مشاهدة الأفلام الجنسية لكنه يستقذر الأغاني، و آخر يغسل روحه بالأغاني عدة مرات يوميا لكنه يصنف التدخين كشبهة، و ثالث يدخّن بشراهة لكنه يزدري من يشرب الكحول، و رابع لا يتورع عن أي مما سبق لكن عينيه تجحظان لو رآك تأكل لحم الخنزير. عندما جابهتُ هذه الظاهرة كنت مسلحا بعلم النفس، لكنه لم يفدني كثيرا أو قليلا في فهمها. قضيتُ سنوات طويلة أحاول أن أكتشف القواعد الفكرية التي تحكم سلوكهم فتُحلل لهم تابوها يستطيبونه و تحرم آخر يتزمتون في فرضه لا على أنفسهم فحسب بل و على الآخرين أيضا. كنت واقعا تحت الوهم بأن أعمالهم إنما تصدر عن فلسفة تبرر تحركاتهم. نظرتي إلى الدنيا بعيون تشومسكي أعمتني عن فهم الدوافع التي تحكم الآخرين. ثم توصلت أخيرا، و لكن متأخرا، إلى أنهم يتفقون على تبني جميع التابوهات التي يقررها لهم الإسلام، حتى لو كان الشطرنج، لكنهم يفترقون في مدى التسامح نحو ارتكاب إثم تجاوزها. و تسامحهم يتنوع بين الثبات و التقلب كما بين الجهر و الكتمان. و أوسع هذه التسامحات نجده إزاء المواد الإباحية، حيث تضغط عليهم الشهوة، و أضيقها هو إزاء تناول الأطعمة “المشوبة” بلحم الخنزير، حيث الإستغناء عنه لا يشقّ على أحد. فلو كانت المسألة تنبع من مبدأ إسلامي صرِف فإن مطالعة صورة واحدة إباحية هي ذنب أعظم بكثير من تناول وجبات عديدة تحتوي على لحم الخنزير، لكن الأمر يبدو معكوسا عند المسلمين. و الجملة السابقة لوحدها تكفي لاستفزاز المسلمين و ضخ الأدرينالين في عروقهم. لنرتب الصورة كالتالي: التابوهات أصبحت بالنسبة للمسلمين جزءا من هويتهم و أي تهديد لها يُعامل بمثابة إعلان حرب، غير أنهم يمكن أن يتسامحوا مع إثم ارتكابها بقدر ما تضغط عليهم الغرائز. و لأنه ليس ثمة غريزة تضغط باتجاه تناول لحوم الخنزير فإن “إعلان الحرب” لا يجد ما يمتص حِدّته. و كأنني أريد أن أقول عبر هذا الشرح المطوّل ليت المسلمين الذين لا يستعملون عيون تشومسكي حافظوا على الأولويات الكامنة في الإسلام ذاته بدلا من التعصب لهوية محاطة بأسياف لا تدخل غمدها إلا بأوامر من الشهوة.

 

الإنسان الطبيعي في الغرب هو الذي يذهب أيام شبابه إلى النادي الليلي ليرقص و يشرب. و المرشحون للرئاسة الأمريكية يرقصون على أنغام الموسيقى أمام الكاميرا دون أن تتأثر حظوظهم في الإنتخابات. بعد أن تركتُ العقائد المهترئة وجدتُني بين صنفين من الأصدقاء. الصنف الجاد الذي تستطيع أن تتحاور معه في موضوع راقٍ دون أن تضرب رأسك في الجدار لا يتفاعل مع الرقص أو حتى ربما يعتبره خدشا للكرامة. و الصنف الذي يُقبل على الحياة و يعشق النوادي الليلية يرحب بانضمامك إليه بعبارة “أهلا بك في عالم الدشرة”. يحفل التاريخ الإسلامي بهذه الثنائيات التي لا تعرف إلا الحشمة المفرطة على ضفة و التهتك على الضفة الأخرى: محمد-أبو جهل، علي-معاوية، الحسين-يزيد، الكاظم-الرشيد، ابن حنبل-المعتصم، الخميني-الشاه، الصدر-صدام، نصر الله-الحريري، مرسي-مبارك. و لم يحظَ هؤلاء بمكانة بارزة لولا استقطاب القوى بينهم، أي أن انتفاخهم مرده إلى الأفواه الكثير التي تعمل لصالح هذا أو ذاك. فتغلغل نفوذهم داخل مجتمعاتهم يعبر عن طبيعة تفكير المسلمين، حيث يمتد خط أحمر عريض يفصل بين اللهو و البراءة. أحد رجال قريتنا، الذي بلغ الآن سن الشيب، عندما كان طفلا كتب ذات يوم في حصة الرسم على صفحة كراسه عبارة “I love” متبوعة باسم حبيبته بالإنجليزية. لم يدرِ المسكين أن سكان قريتنا لديهم تصنيف للجرائم يختلف عن التصنيفات الموجودة في القصص العالمية التي تعوّد أن يقرأها، و لا بد في مجتمع القارة أن يكون لـ”جريمته” عواقب وخيمة أقلها اجتماع على مستوى عالٍ لممارسة فنون التوبيخ. و إذا كنت رجلا غربيا تقرأ مقالي هذا فدعني أخبرك أن التوبيخ لا علاقة له بجودة اللوحة التي رسمتها أنامله بل لأن الإفصاح عن الحب هو جريمة في بلدي. لقد تزوج هذا الرجل من حبيبته و عاش معها حياة ناجحة سعيدة و هو الآن يحكي تلك الحكاية لأحفاده. في الغرب لكانوا احتفلوا معه ابتهاجا بحبه البريء، ثم اعتبروا قصة نجاحه ذات البداية الدرامية نبراسا يُحتذى تتسابق الصحف على تقديمه لقرائها. يختلف سكان قريتي في مدى الإستعداد للتعبير عن الحب، و يتفقون على تصنيفه كدرجة من درجات المجون. و لسوف كنت أتركهم في حالهم، لولا أنهم يودون من جهة أن يمتلكوا التقنية الموجودة لدى شركة أبل، و يقتلون من الجهة الأخرى ستيف جوبز مؤسس أبل لمجرد أنه يحمل عيون تشومسكي.

 

يندر أن تجد فلما أمريكيا يخلو من قصة أو مشاهد حب، لكن فلم “Lions for Lambs” الناقد للحرب الأمريكية على الإرهاب لا يمنح أدواره المهمة سوى لممثلين ذكور. و قد ظننت أنه ظهر في الوقت المناسب تماما لأنني كنت في تلك الأيام أدردش عبر الماسنجر مع ابنة أخي المبتعثة للدراسة إلى ليفربول البريطانية، فنصحتُها بعدم تفويت مشاهدة الفلم في السينما. لكنها أخبرتني بكلمات ملؤها الحسرة أن زميلاتها السعوديات أبعد ما يكنّ عن المشاركة في أي نشاط “غير تقليدي”. و إذا كان فهمي لاعتذارها صحيحا فإن قائمة المحظورات لدى زميلاتها تشمل ليس فقط ما يخرق الضوابط الأخلاقية – حسب معايير قرية القارة – بل أيضا العناوين المرتبطة في ثقافة سكان قريتي بالوقوع في المحذور. هكذا يتم الشطب على فكرة الذهاب إلى السينما لا لأن الفلم المقترح يتنافى مع الحشمة البصرية بل لأن قائمة منسدلة واحدة في رؤوس سكان قريتي تضم دار السينما مع الملاهي و البارات. و لحسن الحظ أنني لا أكتب عن مجتمع غريب فأنا أعلم جيدا كم تتأهب نساء القرية لتلقف أي خبر يمكن ضخه في ماكينة القيل و القال. و إذا كان هذا الموضوع يتحدث بالدرجة الأولى عن الحاجة إلى رؤية الدينا من خلال عيون تشومسكي فعلينا قبل ذلك أن نتساءل كيف يمكن لمن يعيش في القرن الواحد و العشرين أن يكتسب عيون تشومسكي و هو لا يذهب إلى السينما؟ يقوم العلم و الأدب في كل عصر بصنع الممكن الذي عندما يتجلى يلتحم مع العلم و الأدب في روح عصر واحد. إن منجزات عباقرة هوليوود هي أحد تجليات الراهن الأدبي و العلمي، و بدونها لا تنمو مواهب الشعراء و القُصّاص و الرسامين و لا تتفتح أذهان المبتكرين و المخترعين. حتى أنا واجهتُ من عائلتي ضغوطا عندما بدأتُ أذهب إلى البحرين خصيصا لزيارة دار سينما السيف و مشاهدة الأفلام الأمريكية، رغم أنني كنت وقتها طبيبا تجاوز سن النضج و رغم أنني كنتُ قبلها، جزئيا بفضل السينما، قد نشرتُ في الجرائد المحلية نصوصا شعرية و نقدية. ينشغل سكان قريتي بتمتين الأسوار الأخلاقية حتى لتظن أنك لو وقع بصرك على فتاة لا تغطي وجهها فسوف تختفي مكتبة الكونغرس و جامعات مدينة بوسطن من على وجه الأرض. و ما هي قيمة مكتبة الكونغرس عندما تُقارن باختراع إضافة سفرة أم البنين إلى حلّال المشاكل و سلسلة من الطقوس؟ الكل يحتاج إلى عيون تشومسكي لكن الذي يحصل على السيارة، و تقريبا كلَّ شيء آخر، عبر بيع نفط أرضه يظن أنه يفعل الشيء الصحيح عندما لا يفعل شيئا. و لو كنا نصنع ما نستهلكه لكان لدينا مكتبة ضخمة و دار سينما تفرضها احتياجات العقول المتقدة، إلا إذا كان خيال القارئ واسعا و يعتقد أنه بإمكان مهندس أن يطور سيارة بدون أن يذهب إلى السينما مرة في حياته.

 

في مناسبة لاحقة جعلتني ابنة أخي فخورا بها لأنها اختارت زوجها بنفسها بعد أن تعرفت عليه في مقر الدراسة. و هو لم يكن غريبا عنها تماما، فقد نشآ في بيتين متلاصقين غير أن المسافة في قريتي لا تقاس بالأمتار بل بالقرابة الجينية حيث ينتمي هو إلى عائلة لم تتعود مصاهرة عائلتي. و أخوه هو صديقي ب. ع.، الذي عندما فتحتُ الموضوع معه بدا غير مكترث بالرمح الذي غرستْه ابنةُ أخي في صدر العرف البائس الذي يحجب أي إمكانية للتعارف الحقيقي بين رجل و امرأة قبل الزواج. نعم شاطرني ب. ع. بهجتي، لكن موطن اهتمامه كان محصورا في مسألة اقتران رجل من عائلته بامرأة من عائلتي للمرة الأولى. شعرتُ أنني كمن يحدث صديقا عن إرهاصات الثورة الفرنسية فيحدثني هو عن وصول عائلة بونابرت للمرة الأولى إلى السلطة. تمنيت ساعتها لو أن عيون تشومسكي عبارة عن آيسكريم لأنني أعلم أن ب. ع. يحب الآيسكريم.

 

عندما تتلف نظارتي أشترى واحدة غيرها. و لكني أعتبر الأمر اختياريا. أما عيون تشومسكي فهي قدري الذي وُلدت به، و أعلم الآن أن الطارئ في جهاز إبصاري هو أنماط التفكير التي تعلمتها في قرية القارة. عندما تطورتْ ألعابُ الكمبيوتر حصلتُ على لعبة يظهر في مقدمتها – على شاشة التلفاز طبعا – ظلُّ امرأة يسير نحو المُشاهِد في إيقاع غربي راقص. و يا لها من فتنة عششتْ في رأسي حتى اللحظة. مشاهدة الحدود الخارجية لجسد أنثوي يتمايل دون ابتذال كان وهجا أوقد الشموع في قلبي. قبلها بسنوات كنت قد رأيت مقاطع من فلم “مدرسة المشاغبين” و هي لقطات عندما أتذكرها أحرك يدي في الهواء كمن يطرد دخان سيجارة يغطي وجهه و يكتم أنفاسه. لكن الفن الهابط لا ينتشر لولا الزبائن، فعندما أخبرتُ أحد أبناء عمي عن ولعي بظل المرأة الراقص، قال لي بصوت كأنه صادر من فم محشو بالرز “شلون؟ يعني تهز؟” أنا حتى لستُ من حيث المبدأ ضد تسليع الجنس لكني أنجرف حصرا إلى مشهد تكون فيه تلك السلعةُ لا السائسَ الوحيد، و لا الرئيس، للغة الجسد الأنثوي. و لو وضعنا كل مجموعة من الصفات المتشابهة في صندوق واحد لاستلقى الرقص الغربي بجانب النكات الهادفة. بإمكانك في قرية القارة أن تضحك بشكل مفرط على حظٍ عاثر أو صديق أخطأ مرة واحدة في نطق كلمة، أما أن تعرّي وهن العقائد و تناقضاتها بأسلوب تهكمي فإنه يعرضك لهجمة لا تعرف أين تبدأ و لا أين تنتهي. يخضع اللاعبون قبل بدء المباراة إلى عدد من التحديات التي عليهم اجتيازها لإثبات جدارتهم و من يفشل يُستبعد، و بالمثل تخضع العقائد في الغرب إلى غربالي النقد و السخرية فإذا لم تصمد إحداها فإنها تزيح المكان لغيرها. و حتى لو كانت هذه العملية تتم ببطئ فإنها تحدث بالفعل كما تؤكد الإستبيانات الدورية. عندما أسمع أن علي بن أبي طالب قتل عمرو بن عبد ود أستطيع أن آخذ الأمر بجدية، و لكن كيف أتمالك نفسي من الضحك عندما تخبرني بأن ألفا من الملائكة و ثلاثمائة من البشر خاضوا معركة بدر فقتلوا 70 رجلا فقط؟ سكان قريتي، بسبب افتقارهم إلى عيون تشومسكي، يضحكون على كل شيء سوى الأشياء التي ينبغي أن يضحك عليها العقلاء.

 

قرأت قبل قليل أن ممثلا كوميديا حصد أعلى الأصوات في الإنتخابات الرئاسية في غواتيمالا. في الدول الناجحة أو التي تسير على درب النجاح يحاول الناس إعطاء آذانهم للصوت الأكفأ. أما أهم مواصفات المرشح الناجح لدينا فهي خلطة من العبوس و تمجيد العصور البائدة. صنعنا غربالاً يعيق، عبر التصنيفات المحارَبة، كل من يفكر بحرية من الإرتقاء على سلم النفوذ. يطيب لسكان قريتي أن يتخيلوا، مثلا، التفكير العلمي كعربة معزولة تسير وحيدة. أما على أرض الواقع فإن من يبتكر جهازا لا يصل إلى تلك المرحلة إلا بعد أن يكون قد منح عقله جوازا بلا قيود. و حاسة الشم لدى العقل الحر تلاحق الأفكار ذات التناقضات الأقل. إذا تمكنتَ من ابتداع نظرية فلا يهمني أن تكون ممثلا كوميديا أو حتى مهرجا. و إذا قدمتَ لي الوصفة المقنعة للنهوض بالأمة فسوف أمنحك صوتي في أي انتخابات حرة بغض النظر عن مذهبك أو ديانتك.

 

إن آخر شخص في العالم يمكن أن يكتب مقالا كمقالي هذا هو تشومسكي نفسه. لقد دخل السجن عدة مرات بسبب العصيان المدني و لكن لا يوجد في بلده سكاكين مخصصة لذبح المفكرين الأحرار. يبدأ المسير عندهم من المحطة التي يقاتل هذا المقال لإيصال القارئ إليها. بإمكانك أن تسمع في صوت تشومسكي الكثير من الحزن و هو يتهم حكومة بلده بترهيب الشعب مثلما بإمكانك أن تلمس دموعي و أنا أتهم الشعب بترهيبي. لو اختفى تشومسكي لاختفى معه ستيف جوبز و بيل جيتس و ما لم نفهم ذلك سنظل نزرع البرسيم بينما نتوقع الحصول على وردة. يتفق الجميع لدينا على الإعتراف بفشلنا كأمّة ثم يختلفون في تشخيص الأسباب. انقسمت الآراء بين من يلقي التهمة على الإبتعاد عن مرجعية الوحي و من يلقيها على الإبتعاد عن مرجعية العقل. يطلب منا الفريق الأول أن نصدق بأن الإمتناع عن التفكير في نقد الموروث هو وقود رحلتنا. أمثال مقالتي لا تنبتُ إلا في المجتمعات التي تجد فيها أشخاصا متنفذين يطالبون بالإمتناع عن التفكير. تراخت الحكومة السعودية في مواجهة فيروس كورونا عندما كانت الإصابات محصورة في منطقة الأحساء، لكنها أقالت عدة وزراء صحة بمجرد انتشار الفيروس في العاصمة الرياض. و مثل كورونا، لا يمكنك أن ترحب بالإمتناع عن التفكير في ساحة الموروث الديني دون أن يتفشى الإمتناع عن التفكير في كل الساحات العلمية و الفنية. و إذا أردت أن تختصر على نفسك الطريق جرب أن تتبنى عيون تشومسكي و ستجد أن الفكرة أعلاه صارت من المسلمات لديك و ستبحث بعدها عن الخطوة التالية.

 

يرتبط موضوع “عيون تشومسكي” بالدرجة الأولى بالتبّقع في المواقف. يجتهد بعض الطيّبين في الإصطفاف مع القضايا الإنسانية لكنهم يجدون أنفسهم بسهولة على الجبهة التي سيدينها التاريخ لاحقا. في العام الماضي ألقى الفيلسوف البريطاني تيري إيجلتون محاضرة في جامعة بيركلي في كاليفورنيا قال فيها إن إحجام الولايات المتحدة عن غزو إندونيسيا هو بسبب عدم امتلاكها نفطا كالعراق. و لكنتُ أنسى ما قاله، في زحمة الإنتقادات التي وُجّهت للغزو الأمريكي للعراق، لولا أن عنوان محاضرته تلك كان “موت النقد”. و كمقياس بسيط، يمكننا أن نقول عن فكرة ما أنها أصبحت الأكثر تسيّدا عندما تتسلل إلى خارج حدود موضوعها لتجد لها صدى في مواضيع كنا نظنها بعيدة كل البعد. صار انتقاد الغزو الأمريكي للعراق، كما هو حال إدانة إعدام سقراط، دمعة يذرفها كل شريف. و لو أن الطيبين الذين أعرفهم تمام المعرفة نظروا في عام 2003 إلى الدنيا بعيون تشومسكي لما شعروا الآن أنهم، بسبب تأييدهم لغزو العراق، كمن صفّق للجلاد و هو يُجرّع سقراطَ السم.

 

و هناك في قريتي من يظن أن التمدن يبلغ أقصى مداه عندما نركب زورقا يطفو على نهر المغنية فيروز. قلتُ سابقا أن العلم ليس سيارة معزولة، فأنا لم أحصل على الإلكترونيات، التي أطبع عليها كلماتي الآن، من لبنان التي أنجبت فيروز بل من أمريكا التي قدمت للعالم أكثر الأغاني صخبا، و من كوريا الجنوبية التي رقصّتنا على أنغام غانغام ستايل. و لئن حاجج أحدهم بأن المغرب، كحال لبنان، لا يبتكر شيئا في ساحات العلم، فسأذكّره بأن المغني المغربي سعد المجرد قضى عشر سنوات في نيويورك قبل أن يكتسح الأرقام القياسية بأغنية “لملعم” الملتهبة. يميل الكثيرون ممن أعرفهم إلى فهم التحضر كفِكاك من القيود بشرط المحافظة على الصرامة التي كرسها الدين. فقط قلة من أصدقائي هشموا تلك الصرامة الموروثة بمطرقة ثائر لكني اكتشفت أنهم يعتبرون أنفسهم كمن يتوغل في أوحال الشيطان.

 

النشأة في مجتمع مفرط في محافظته يترتب عليها نتائج سلبية كثيرة منها تبني صورة مغلوطة عن الإنسان المثالي. قم بتلك التجربة الذهنية: خذ مائة طفل هندوسي و حرّم عليهم أكل لحم البقر، و ستجد أن المهذبين منهم لن يقربوا لحوم الأبقار لأن ذلك صار في نظرهم إثما عظيما. و إذا وقع أحدهم في “غواية” التهام لحوم البقر ففتش عن آثام أخرى ارتكبها كالسرقة مثلا. الإرتباط بين أكل لحوم البقر و السرقة هو شيء أمليتَه أنت بنفسك عليهم. أنت وضعت “أكل لحوم البقر” مع “السرقة” خلف الخط الأحمر الذي يُحظر تجاوزه، فصار الطفل الذي يأكل لحم البقر هو الطفل الذي يسرق. و أنت وضعت “الرقص” مع “السرقة” خلف الخط الأحمر، فصار الطفل الذي يرقص هو الطفل الذي يسرق. الإرتباط بين بعض التابوهات الموروثة تم زرعه صناعيا في رؤوس أفراد المجتمع، لذلك فإنك إذا شعرت بأن أغلب الذين يرقصون هم من فئة الذين يسرقون فتذكر أن ذلك يحدث بسببك أنت. أما في عيون تشومسكي فلا شاب نال حقوقه دون أن يكون حرا في الرقص متى يشاء، و لا حضارة متقدمة علميا لا توفر الصخب لعشاق الرقص.

 

و أسهل الأفكار استيعابا هو أن تتذكر أن القرى و الأحياء السعودية التي ما زلتَ ترى فيها غلبة البيوت الطينية يتمتع أبناؤها بأقل نسبة من الشهادات العلمية. لذلك ربما يساعدك أن تتصور الصخب اللحني مثل بيوت الإسمنت المسلحة: ليس ضرورة لنحيا لكنه يرتبط بمستوى الإبداع و التعلّم. في عيون تشومسكي تتبادل بعض العناصر مواقعها حول الخط الأحمر. أرقصْ بقدر ما يحلو لك و لكن لا تسلبْ من النشء خياراتهم حول مستقبلهم. صُبَّ في أذنيك كل أغاني الأرض لكن لا تتراخَ مع من يروّج نظرية الدم السحري. و أحسن من ذلك: إرتدِ عيون تشومكسي، أو انزعها و لكن لا تتذمرْ من حالة التخلف و الجهل و الهوان التي ألمّتْ بنا.

 

و الحقيقة هي أن المسألة ليست سوى مسألة وقت. من جهة فإن الإرتباط بين الحرية الحقيقية و التقدم العلمي أمر لا يتبدل. و من جهة أخرى فقد استيقظ من جديد الإرتباط بين العلم و القوة. قبل 1400 عام كان العلم قد توقف لبضعة قرون عن التأثير على موازين القوى فصار أكثرُ المجتمعات تخلفا يمتلك نفس الأدوات العسكرية التي يمتلكها أكثرُ المجتمعات تقدما. أما في عصرنا فمن يمتلك التكنولوجيا يمتلك معها النفوذ العسكري. و قريبا سيجلس الجندي الأمريكي في غرفة في البنتاجون، أو حتى داخل منزله، ليتحكم بدبابة تزأر على شوارع بلد آخر. لذلك لن يطول الزمن حتى ندرك جميعا أن التضرع للخالق كما لو أنه دكتاتور يشاور نفسه في الطريقة التي سيشوينا بها ليس هو السبيل لا إلى بناء حضارة و لا إلى إرضاء خالق. لقد نجحتْ تلك الوسائل في عصور الجهل في تسييدنا على العالم، لكننا ندرك الآن ببطئ أنها تعطل الإبداع الضروري للنهضة بمعايير الحاضر.

 

و إذا كنتَ مغرما بالمبتكرات فلا بد أن المشهد التخيّلي لجندي أمريكي يتحكم بطائرة أو رجل آلي أو دبابة تسير في بلد آخر قد علق برأسك، خصوصا و أنت تحاول أن تحصي السيناريوهات المرعبة التي يمكن أن تترتب على ذلك. بل ماذا لو كان الجهاز، سواء كان دبابة أو طائرة أو رجلا آليا، يتخذ قراره بنفسه وفق برمجية معينة و يطارد، مع مليون من رفاقه، أعداء أمريكا. و إني إذ أعجز عن طمأنتك أود أن أبشرك بأن كوكبة من مثقفي الغرب، منهم ستيفن هوكنج، قد دشنوا حملة للمطالبة بتحريم صنع الآلات العسكرية ذاتية القرار، فيما نحن منقسمون على السماح للمرأة بقيادة السيارة. ثم هل سمعتَ في حياتك أن عربيا يتحرك في مسعى لتخفيض الإحتباس الحراري؟ في فلم “Interstellar” تكتظ المشاهد بالعواصف الرملية كأخطر آثار التسخين الحراري للأرض، رغم أن العواصف الرملية التي تعاني منها كاليفورنيا لا يمكن بأي حال أن تقارن، عددا أو شدة، بالعواصف الرملية التي أصبحت تهب على بلداننا، حيث أرعبت إحداها الممثل توم كروز في لقطة من فلم “Mission Impossible 4” بينما كان يتسلق برج خليفة في دبي. و رغم ذلك فإنك سوف تسمع، في قرية القارة، عبارة “حلاتها الضرب بالخمسة” تعبيرا عن تفضيل أكل الرز بأصابع اليد، أكثر بمئات المرات من مصطلح “التسخين الحراري”. إن غياب عيون تشومسكي عنا لم يعطل الحركة العلمية أو يلخبط الموازين الأخلاقية فحسب، بل جعلنا أيضا ننحدر إلى حتفنا و نحن نتحدث عن الأطعمة الدسمة.

11860total visits,50visits today