في عالم الأفلام الكرتونية بإمكانك أن تمشي مغمضا فوق الهواء، و لن تهوي إلا إذا فتحتَ عينيك. و بسبب تلك المشاهد فإن بعض الأطفال يختلط عليه الخيال بالواقع، فيمكن مثلا أن يقفز أحدهم من فوق سطح المنزل، و قوانين الفيزياء لا تأخذها بهم شفقة. أما الكبار فنادرا ما يخطئون في تقدير المخاطر التي يدركونها مباشرة بأعينهم.

لكن كثيرا من النظريات العلمية لا تقبع في مرمى البصر و حينها قد يتلبد ضباب العاطفة ليحجب الحقيقة. و حتى قبل أن تحصل على تفسير علمي لظاهرة ما، أو لنقل تفسيرا واضحا، تجد المسلم يستنجد بالقيمة العاطفية للجواب. تقريبا كل المسلمين الذين خبرتهم في حياتي يعتبرون الافتقار إلى جواب بيّن هو خزي و عار. و معظمهم لا يتردد في السخرية منك إن لم تكن تدري كيف نشأت الخلية الأولى على الأرض. و من الصعب أن تشرح له أن استغاثته بالعاطفة لا تصلح أن تكون برهانا على دور قام به ساحر عملاق يقطن في السماء. فالبرق لم يتطاير من فم زيوس قبل 2500 عام لمجرد أننا كنا حينها لا نعلم أن البرق كهرباء.

تلك الثنائية: الخزي-العار من جهة، و الفخر-التشدق من الجهة الأخرى تجلس خلف المقود في رأس المسلم. لذلك فإن نظرية التطور بالنسبة له مساس بالنَّسَب و القبيلة و الكرامة قبل أن تكون علما يتحول إلى طبابة و تقانة. بالنسبة للمسلم يكفي العار الذي تعنيه نظرية التطور لإسقاطها. لكن ماذا نتوقع من دين صاغه الرجل العربي الذي اعتاد على أن يكون نسبه بوفيها مفتوحا يختار منه ما يشتهي لا ما ترسمه الفحوصات الجينية.

و في ضوء تغوّل العاطفة نفهم الموقف المزدوج للمسلم من شكلَي الأنسنة. فعندما تكون أنسنة الحيوانات أو الجمادات طفولية، كالهدهد الذي يعمل جاسوسا و النملة التي تتعرف على سليمان و الشمس التي تسجد لربها و الأرض التي تأتي طائعة لكنها في نفس الوقت ترفض حمل الأمانة و الحمار يعفور الذي يروي عن جده ما وقع في زمن نوح و الشجر و الحجر الذي سيفشي للمسلم مكان اليهودي ليقتله، كل تلك الأنسنات التي تناسب طفلا لم يتجاوز السادسة من عمره هي الأنسنات التي تدخل رأس المسلم و يُحشى بها دماغه و هو يشعر بغمرة حنانها. أما عندما تكون الأنسنة مجازا علميا، كما عندما يقال في نظرية التطور “الانتقاء الطبيعي” يتهيج المسلم و يرغي و يزبد. إذ رغم أن تلك الأنسنة لا تعدو أن تكون تعبيرا لغويا يختزل وصفا مطولا حول التصفيات التي تخوضها الأنواع الحية في مجابهة الظروف الطبيعية القاسية كالحرارة و البرودة، إلا أن شعور المسلم أن في ذلك المجاز سرقة لدور الساحر الذي يقطن في السماء يحقن الدم في عروق وجهه. كيف تنسب للطبيعة ما هو حكر على الساحر العملاق؟ هكذا يفكر المسلم.

و يتحسس المسلم بشدة إزاء أي تعبير علمي يبدو أنه يمس دور الساحر العملاق. فألفاظ مثل “الصدفة” و “العشوائية” يفهمها المسلم خطأ أنها إلغاء للسببية و يعض على لسانه لأنه يتخيل أنك تشطب على دور الساحر العملاق و تحيل الظاهرة إلى اللاشيء. و لا تعني العشوائية أكثر مما تراه بعينك من طريقة توزّع الشظايا على أجزاء متفرقة من المكان بعد انفجار المفرقعات النارية، أما الصدفة فهي مثلا أن يقع أحد تلك الشظايا على أنفك. العشوائية لها مسبباتها لكنها تفوق قدرتنا على التنبؤ الأكيد بنتائجها رغم أننا نستطيع أن نرسم احتمالات قبل وقوع الحدث، أما الصدفة فهي حدث وقع في الماضي ضمن العملية العشوائية. و تستطيع في الغرب أن تشرح هذه الأفكار لطفل، لكنك عندما تحاول إقناع المسلم بها تزأر عاطفته مثل تسونامي غاضب.

و بمناسبة المقارنة بين الغرب و شعوبنا، لا بأس أن نتذكر أن الغرب أصيب بهزة عاطفية كبرى عندما سرب كوبرنيكوس و من بعده أذاع جاليليو موت نظرية مركزية الأرض. لكي تفهم ذلك حاول أن تتكلم كصاحب لحية بيضاء طويلة في فيلم هوليوودي يتلو تعويذة لها مفعول سحري يزحزح صخرة تسد فوهة كهف. و بنفس ذلك الاستغراق قل لنفسك أن الإنسان هو مركز الكون الذي أنشئ لأجله. تلك هي الدوغما الرومانسية التي فتتها كوبرنيكوس، و لن تجد أثرا لها في رأس المسلم المولع بالجن و المستعد لقتلك لو أنكرت أن سليمان سمع النملة تتكلم. عاطفة المسلم طفولية بدوية لو صنعنا منها مشهدا سينمائيا لكانت خلفيته الصوتية قهقة معربدين لا نغمات بيانو. و هذا ما جعل نظرية مركزية الشمس تنساب إلينا بسلاسة بينما يناطح المسلمون حتى اليوم بقرونهم نظرية التطور.

و كثيرا ما تخوض حوار جادا مع المسلم و تقدم له الأدلة من كتب التراث و المجلات الطبية بترتيب منطقي حاذق لتجده يختتم بالقول أنك ستعود يوما إلى حضن الساحر العملاق، و في ذهنه مشهد توبة محمد عبده يمسح الدموع بشماغه و يرجو الصفح و المغفرة. لا ينظر المسلم للحوار باعتباره طريقا إلى الحقيقة بل يراه كمداولة اجتماعية يقرر الأقارب و الأصدقاء نتائجها. في أفلام الكارتون يمشي الرجل على الهواء ثم لا يقع إلا بعد أن يقع بصره على الحفرة العميقة تحت قدميه. أما في بلداننا فيقع المسلم في حفرة في حفرة في حفرة و يظل ماشيا و هو يحسب نفسه فوق الغيوم.

67790total visits,444visits today